حيدر حب الله

91

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

وعليه ، فنحن من خلال الحواس ، ومن خلال النصوص ، ومن خلال العقل . . لا نحظى سوى بمجموعة من المفاهيم والأفكار التي تترعرع في ذهننا وعقولنا تحكي عن شيء خارج ذواتنا . 4 - لكنّ العارف يرى أنّ هذه المعرفة تجعلنا على مسافة بيننا وبين المعلوم ، فأن أعلم الكرسي عبر صورة مفهوميّة عنه في ذهني ، هو علمٌ يضع فاصلةً بيني وبين المعلوم ، وهذه الفاصلة والواسطة هي الصورة الذهنية والمفهوم الذي أحمله عن الكرسي في ذهني ، فالكرسي لم يتحد بي ولم أشعر به كشعوري بنفسي ، غاية ما في الأمر أنّني امتلكت صورةً ومفهوماً عنه في ذهني . . وهذا ما يسمّى بالعلم الحصولي . إنّ العرفاء يقولون بأنّ العلم الحصولي ( علم اليقين ) - بكلّ أنواعه - هو درجة دانية من العلم ، وأنّ فوقه علمٌ يسمّى بالعلم الحضوري ( حقّ اليقين ) ، وفي هذا العلم الحضوري أنا لا أملك معرفةً بالشيء عبر صورة تأتي إلى ذهني عنه ، بل أنا أعرفه عبر الإحساس به وكأني أحسّ بنفسي . إنّ علمي بنفسي أقوى من علمي بمن هو خارج ذاتي ، فإذا استطعت أن أعلم بمن هو خارج ذاتي كعلمي بنفسي وذاتي فسيكون علمي بالأشياء أعمق وأقوى بكثير من علمي بها عبر مفهوم أو صورة تأتي إلى الذهن عنها . من هنا ، يرى العرفاء أنّ العلم الحضوري هو أساس العلم وحقيقته ، وهو العلم الذي لا يخطأ ولا يضلّ ولا ينحرف . وقد اتفق الفلاسفة والعرفاء تقريباً على أنّ العلم الحضوري للإنسان بنفسه وحالاته النفسية موجودٌ ، ولم يناقش في ذلك إلا بعض الفلاسفة ، لكنّهم اختلفوا في ثلاث حالات أخرى : هل يمكن فيها وجود علم حضوري أم لا يتسنّى فيها إلا العلم الحصولي ؟ وهذه الحالات